عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

208

اللباب في علوم الكتاب

وقوله : « وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ » قراءة « 1 » العامّة « ينسينّك » بتخفيف السّين من « أنساه » كقوله : وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ [ الكهف : 63 ] فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ [ يوسف : 42 ] . وقرأ ابن عامر « 2 » : بتشديدها من « نسّاه » ، والتعدّي جاء في هذا الفعل بالهمزة مرة ، وبالتضعيف أخرى ، كما تقدم في « أنجى » و « نجّى » و « أمهل » و « مهّل » . والمفعول الثاني محذوف في القراءتين ؛ تقديره : وإما ينسينّك الشّيطان الذّكر أو الحقّ . والأحسن أن يقدر ما يليق بالمعنى ، أي : وإما ينسينك الشيطان ما أمرت به من ترك مجالسة الخائضين بعد تذكيرك ، فلا تقعد بعد ذلك معهم ، وإنما أبرزهم ظاهرين تسجيلا عليهم بصفة الظّلم ، وجاء الشرط الأول ب « إذا » ؛ لأن خوضهم في الآيات محقّق ، وفي الشرط الثاني ب « إن » لأن إنساء الشيطان له ليس أمرا محقّقا ، بل قد يقع وقد لا يقع ، وهو معصوم منه . ولم يجئ مصدر على « فعلى » غير « ذكرى » . وقال ابن عطيّة « 3 » : « وإمّا » شرط ، ويلزمها في الأغلب النون الثقيلة ، وقد لا تلزم كقوله : [ البسيط ] 2197 - إمّا يصبك عدوّ في مناوأة * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . « 4 » وهذا الذي ذكره من لزوم التوكيد هو مذهب الزّجّاج ، والنّاس على خلافه ، وأنشدوا ما أنشده ابن عطية وأبياتا أخر منها : [ الرجز ] 2198 - إمّا تريني اليوم أمّ حمز « 5 » وقد تقدّم طرف من هذه المسألة أوّل البقرة ، إلا أن أحدا لم يقل : يلزم توكيده بالثقيلة دون الخفيفة ، وإن كان ظاهر كلام ابن عطية ذلك . قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 69 ] وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 69 ) يجوز أن تقدر « ما » حجازية ، فيكون « مِنْ شَيْءٍ » اسمها ، و « من » مزيدة فيه لتأكيد

--> ( 1 ) ينظر : الدر المصون 3 / 88 ، البحر المحيط 4 / 157 - 158 . ( 2 ) ينظر : الدر المصون 3 / 88 ، البحر المحيط 4 / 157 . ( 3 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 304 . ( 4 ) صدر بيت وعجزه : يوما فقد كنت تستعلي وتنتصر ينظر : القرطبي 7 / 11 ، فتح القدير 2 / 122 ، الدر المصون 3 / 88 . ( 5 ) تقدم .